القرطبي
269
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ذمته وحصل الولي مطلوبا به ، له الاجر في قضائه ، وعليه الوزر في تأخيره . وقال القاضي أبو بكر ابن العربي : " وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في أدائه ، وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه " . الثالثة - ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز ، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شئ من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه ، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث ، قاله أبو عمر . الرابعة - قوله تعالى : " إن الله سميع عليم " صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شئ من جنف الموصين وتبديل المعتدين . قوله تعالى : فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ( 182 ) . فيه ست مسائل : الأولى - قوله تعالى : " فمن خاف " " من " شرط ، و " خاف " بمعنى خشي . وقيل : علم . والأصل خوف ، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها . وأهل الكوفة يميلون " خاف " ليدلوا على الكسرة من فعلت . " من موص " بالتشديد قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ، وخفف الباقون ، والتخفيف أبين ، لان أكثر النحويين يقولون " موص " للتكثير . وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم . " جنفا " من جنف يجنف إذا جار ، والاسم منه جنف وجانف ، عن النحاس . وقيل : الجنف الميل . قال الأعشى : تجانف عن حجر ( 1 ) اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا وفي الصحاح : " الجنف " الميل . وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا مال ، ومنه قوله تعالى : " فمن خاف من موص جنفا " . قال الشاعر ( 2 ) : هم المولى وإن جنفوا علينا * وإنا من لقائهم لزور
--> ( 1 ) في الصحيح المنير واللسان : " جو " . ( 2 ) هو عامر الخصفي .